نزار المنصوري
440
النصرة لشيعة البصرة
أمر لا تناله الأقيسة الوضعية والعرف العام ، لكنه أمر تراه البصيرة دون البصر ، وتحسه النفس دون العقل ، وتشعر به القلوب العامرة بالايمان . وماذا يريد عليّ من الدنيا ؟ وقد ملها واجتواها ، وطلقها وجفاها ، وتمنى لو كانت شخصا مرئيا ، وقالبا حسيا ، ليقيم عليها حدود اللّه في نفوس غرّتهم بالأماني ، وألقت بهم في المهاوي ، وملوك أسلمتهم إلى التلف ، وأوردتهم موارد البلاء . لقد تمنى ذلك ليضرب لنا مثلا للنفس الكبيرة التي ترى الحياة الدنيا أهون عندها من عفطة عنز ، أو ورقة في فم جرادة تقضمها قضما . سادتي ! هو ذا صوت عليّ يرن في سمع الزمان : يا دنيا غري غيري ، أبي تعرضت ، أم إليّ تشوقت ؟ ! ! فليسمع صوت عليّ أولئك الذين حليت الدنيا في أعينهم ، وراقهم زبرجها ، فراحوا يخضمون مال اللّه خضم الإبل نبتة الربيع ! وليسمع صوت عليّ أولئك الذين غصبوا الناس أموالهم فراحوا ينفقونها بين ثغور الحسان ، وثغور الدنان ! ! وليسمع صوت عليّ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ، والدنيا بالآخرة ، فبنوا قصور سعادتهم على أنقاض بؤس البائسين والمحرومين ! سادتي ! لقد كان عليّ بطل المأساة في رواية الدهر ! لقد لقي ربه بجسم عطبه زعاف السم ، وهامة قسمها حد السيف ، ووجه أشحبه نزف الدم ، وشيبة خضبها فيض النجيع ، ليشهد سكان السماوات كيف يصعد الإنسان الأرضي إلى العالم العلوي ، وكيف يتحطم الهيكل الإنساني على صخرة الجهاد المقدس ليحمل النفس الكبيرة إلى موطنها في السماء ؟ ! لقد كان عليّ بطل الرواية بين قوم اختلفت بينهم الآراء ، وتشتتت عندهم